بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الله عز وجل في محكم كتابه الكريم:
**وَٱلضُّحَىٰ ** * ** وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ** * ** مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ** * ** وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ ** * ** وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ** * ** أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ ** * ** وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ** * ** وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ ** * ** فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ** * ** وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ ** * ** وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ** سورة الضحى
الآيات الكريمة في هذه السّورة، ضمن سردها النعم الإلهية على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، تعكس أيضاً مسألة يُتم النبيّ في صباه، وظروفه المادية الصعبة التي عاناها، والأتعاب والآلام التي قاساها، ومن بين هذه الآلام انطلق، ويجب أن يكون كذلك.
القائد الإلهي الإنساني يجب أن يذوق مرارة العيش، ويتلمس بنفسه الظروف القاسية، ويشعر بكل وجوده الحرمان، كي يستطيع أن يتفهم صحيح ما تعانيه الفئات المحرومة، ويتحسّس آلام النّاس ومعاناتهم في معيشتهم.
يجب أن يفقد أباه في صغره كي يشعر بآلام الأطفال الأيتام، ولابدّ أن يبقى جائعاً لأيّام وأن ينام عاصب البطن، كي يفهم بكل وجوده آلام الجياع.
لذلك كان(صلى الله عليه وآله وسلم) تغرورق عينه بالدموع حين يرى يتيماً، وكان يظمّ ذلك اليتيم إلى صدره ويداعبه بكل حرارة.
يجب أن يتفهّم ما يعانيه مجتمعه من فقر ثقافي، كي يعتزّ بكل من يأتيه لطلب معرفة أو علم، ويستقبله بصدر رحب.
ليس النبيّ الخاتم وحده، بل قد يكون كلّ الأنبياء منطلقين من حياة المعاناة والألم، وهكذا كلّ القادة الحقيقيين الناجحين كانوا كذلك... ويجب أن يكونوا كذلك.
من كان يرفل في نعومة العيش، وفي الثراء والقصور، وكان ينال كلّ ما يريد، كيف يستطيع أن يدرك آلام المحرومين، وكيف يستطيع أن يتفهم معاناة الفقراء والبائسين ليهب لمساعدتهم؟!
في حديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): «ما بعث اللّه نبيّاً قطّ حتى يسترعيه الغنم يعلّمه بذلك رعية النّاس»
وفي رعي الغنم دروس في تحمل الآلام، وفي الصبر أمام موجود ضعيف قليل الشعور، كما إنّه استلهام لدروس التوحيد والعرفان من خلال حياة الصحراء والعيش في أحضان الطبيعة.
وفي رواية أنّ «موسى بن عمران» سأل ربّه عن سبب اختياره لمقام النبوّة، فجاءه الجواب: أتذكر يوماً أنّ حملاً قد فرّ من قطيع غنمك فتبعته حتى أخذته ثمّ قلت له: لماذا اتعبت نفسك، ثمّ حملته على كتفك، وجئت به إلى القطيع، ولذلك اخترتك راعياً لخلقي، وهذا يعني أنّ اللّه تعالى رأى في موسى قدرة فائقة على التحمّل تجاه هذا الحيوان ممّا يدلّ على قوّة روحية فائقة أهلته لهذه المنزلة الكبيرة.
لا يخلو مجتمع من أيتام فقدوا الأب في صِغَرهم، وهؤلاء الأطفال يجب أن يتمتعوا بحماية من مختلف الجهات.
فمن الناحية العاطفية، يشعر هؤلاء بنقص، إذا لم يُسدَّ فإنّهم سيشبّون أفراداً غير سالمين، وكثيراً ما يكونون قساة مجرمين خطرين. ومن الناحية الإنسانية يجب أن يعيش هؤلاء في حماية ورعاية كسائر أبناء المجتمع، أضف إلى ذلك يجب أن يشعر أفراد المجتمع بضمان مستقبل أبنائهم الذين قد يصابون باليتم في يوم من الأيّام.
الأيتام قد يكونون أصحاب تركة مالية يجب أن تصان بكلّ دقّة، وقد يكونون معدمين مالياً فيجب الإهتمام بهم من هذه الناحية، والآخرون يتحملون مسؤولية التعامل مع هؤلاء بكل اهتمام ورفق كي يزيلوا عنهم غبار عناء الوحدة.
لذلك ركزت آيات القرآن الكريم ونصوص الشريعة الأُخرى على هذه المسألة ذات البعد الأخلاقي والبعد الإجتماعي والإنساني
وعن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول اللّه لملائكته يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيب أبوه في التراب؟ فتقول الملائكة: أنت أعلم، فيقول اللّه تعالى: «يا ملائكتي، فإنّي أشهدكم أن لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة»
وأكثر من ذلك روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن» تفسير الفخر الرازي، ج31، ص219
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة إذا اتقى اللّه عزّوجلّ، وأشار بالسبابة والوسطى»
ولأهمية هذه المسألة قرنها علي أمير المؤمنين في وصيته المعروفة بالصلاة والقرآن وقال: «اللّه اللّه في الأيتام فلا تغبُّوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم».

وعن أحد الصحابة قال: كنّا جلوساً عند رسول اللّه فأتاه غلام فقال: غلام يتيم وأخت لي يتيمة، واُمّ لي أرملة، أطعمنا ممّا أطعمك اللّه، أعطاك الله ممّا عنده حتى ترضى، قال: ما أحسن ما قلت يا غلام، أذهب يا بلال فأتنا بما كان عندنا فجاء بواحدة وعشرين تمرة، فقال: سبع لك وسبع لأختك وسبع لاُمّك، فقام إليه معاذ بن جبل فمسح رأسه وقال: جبر اللّه يُتمك وجعلك خلفاً من أبيك وكان من أبناء المهاجرين.
فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): رأيتك يا معاذ وما صنعت.
قال: رحمته.
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يلي أحد منكم يتيماً فيحسن ولايته، ووضع يده على رأسه إلاّ كتب اللّه له بكل شعرة حسنة ومحا عنه بكلّ شعرة سيئة، ورفع له بكلّ شعرة درجة».مجمع البيان، ج10، ص506.
في المجتمعات الكبيرة مثل مجتمعاتنا اليوم، لا يمكن للمسلمين أن يكتفوا طبعاً بالأعمال الفردية، بل لابدّ أن تتمركز القوى لرعاية الأيتام وفق برنامج اقتصادي وثقافي وتعليمي مدروس، كي ينشأ هؤلاء الأيتام أفراداً لائقين للمجتمع الإسلامي. وهذا يتطلب تعاوناً اجتماعياً عاماً.
ورد في مجمع البيان عن قوله تعالى: ( فأما اليتيم فلا تقهر)
أي فلا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه كما كانت تفعل العرب في أمر اليتامى عن الفراء والزجاج. وقيل: معناه لا تحتقر اليتيم فقد كنت يتيماً عن مجاهد وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن إلى اليتامى ويبرّهم ويوصي بهم.
ان احساس اليتيم بالنقص يكفيه قهرا ، ولابد ان يقوم المجتمع بتعويض هذا النقص بالعطف عليه ، لكــي لا يتكرس هذا النقــص في نفســه ، فيصـاب بعقدة الضعة ، و يحــاول ان ينتقـم عندما يكبر من المجتمع ، و يتعالــى علـى أقرانــه ، و يستكبر في الأرض و .. و..
ولعل التعبير بعدم القهر يشمل أمرين : الأول : دفع حقوق اليتيم اليه ، الثاني : عدم أخذ الحق من عنده بالقهر و التسلط.
و قد راعى القرآن الجانب النفسي لليتيم مع انه بحاجة عادة الى معونة ماديةايضا ، أوتدري لماذا ؟ أولا : لان كل الأيتام يحتاجون الى عطف معنوي ، بينما قد لا يحتاج بعضهم الى عون مادي ، ثانيا : لان النهي عن قهرهم يتضمن النهي عن استضعافهم المادي ايضا
.وفي معنى «السائل» عدّة تفاسير.
كلمة«نَهَرَ» بمعنى ردّ بخشونة، ولا يستبعد أن تكون مشتركة في المعنى مع «نهر» الماء، لأنّ النهر يدفع الماء بشدّة
الأوّل: أنّه المتجه بالسؤال حول القضايا العلمية والعقائدية والدينية، والدليل على ذلك هو أنّ هذا الأمر تفريع ممّا جاء في الآية السابقة: (ووجدك ضالاً فهدى)، فشكر هذه الهداية الإلهية يقتضي أن تسعى أيّها النّبي في هداية السائلين، وأن لا تطرد أي طالب للهداية عنك.
والتّفسير الآخر: هوالفقير في المال والمتاع، والأمر يكون عندئذ ببذل الجهد في هذا المجال، وبعدم ردّ هذا الفقير السائل يائساً.
والثّالث: أنّ المعنى يشمل الفقير علمياً والفقير مادياً، والأمر بتلبية احتياجات السائل في المجالين، وهذا المعنى يتناسب مع الهداية الإلهية لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومع إيوائه حين كان يتيماً.
وذهب بعضهم إلى حصر معنى السائل في طالب المعرفة العلمية، زاعماً أنّ كلمة السائل لم ترد في القرآن الكريم بمعنى طالب المال والمتاع
بينما تكرر في القرآن هذا المعنى كقوله تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) وبهذا المعنى أيضاً وردت في المعارج ـ 25، وفي البقرة
من عاش و رأى الحرمان ، و لدغته لسعات الجوع كان أحرى باحترام مشاعر السائل كانسان ، و سواء وفق لمساعدته أو لا فان عليه ان يتجنب نهره و زجره و اغلاظ القول له ، فان في ذلك افساد لنفسه ، حيث يشرع في التعالي على الناس و الإستكبار في الأرض ، و عبادة الدنيا و زينتها ، كما ان في ذلك إفساد نفسية.
السائــل ، وزرعها بعقدة الضعة ، فربما دار دولاب الزمن و استغنى السائل و افتقر المسؤل ! كما ان في ذلك إفساد للمجتمع بتكريس الطبقية فيه.
وقد وصى الاسلام بالسائل كثيرا ألا ينهر ، فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه واله - : ( ردوا السائل ببذل يسير ، أو رد جميل ، فانه يأتيكم من ليس من الانس و لا من الجن ينظر كيف صنيعكم فيما خولكم الله )
و نهى الاسلام من السؤال ، و اعتبره ذلا ، ولكنه نهى ايضا عن رد من يسأل ، جاء في حديث مأثور عن الامام الباقر - عليه السلام - انه قال : ( لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحد ، ولو يعلم المعطي ما في العطية ما رد أحد أحدا )
والحديث عن النعمة قد يكون باللسان، وبتعابير تنمّ عن غاية الشكر والإمتنان، لا عن التفاخر والغرور. وقد تكون بالعمل عن طريق الإنفاق من هذه النعمة في سبيل اللّه، انفاقاً يبيّن مدى هذه النعمة. هذه هي خصلة الإنسان السخي الكريم... يشكر اللّه على النعمة، ويقرن الشكر بالعمل، خلافاً للسخفاء البخلاء الذين لا يكفون عن الشكوى والتأوه، ولا يكشفون عن نعمة ولو حصلوا على الدنيا وما فيها، وجوههم يعلوها سيماء الفقر، وكلامهم مفعم بالتذمّر والحسرة، وعملهم يكشف عن فقر!
بينما روي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ اللّه تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه»
من هنا يكون معنى الآية: بيّن ما أغدق اللّه عليك من نِعَم بالقول والعمل، شكراً على ما أغناك اللّه إذ كنت عائلاً.
بعض المفسّرين ذهب إلى أنّ النعمة في الآية هي النعمة المعنوية ومنها النبوّة والقرآن، والأمر للنبيّ بالإبلاغ والتبيين، وهذا هوالمقصود من الحديث بالنعمة.
ويحتمل أيضاً أن يكون المعنى شاملاً للنعم المادية والمعنوية، لذلك ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) في تفسير هذه الآية قوله: «حدث بما أعطاكاللّه، وفضلك، ورزقك، وأحسن إليك وهداك»
وعن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من اُعطي خيراً فلم يُر عليه، سمّي بغيض اللّه، معادياً لنعم اللّه»
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: «إنّ اللّه جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده»
الرزق طعام الجسد ، و شكره طعام الروح ، و من فقد الشكر أحس بجوع دائم ، أوليس أعظم الغنى غنى النفس ؟
و العطف على اليتيم ، ورد السائل بالانفاق او بالكلام الطيب مظهران للشكر ، إلا ان لشكر نعم الله مظاهر شتى أمر الاسلام بها جميعا عبر كلمة حكيمة جامعة ، فقالSadو أما بنعمة ربك فحدث)
************************************************** ************************************************** *****
تفسير الأمثل
تفسير من هدي القرآن
تفسير مجمع البيان